أزقة · الحقبة 1890s
السكة التراثية
السكة هي العمارة الخفية للحي: ممرّ لا يكاد يتسع لباعين، يجري بين جدران جصية عالية بلون الرمل. صُممت هذه الأزقة للظل والنسيم؛ ضيقة بما يكفي لتبقى باردة في الظهيرة، ومتراصفة بحيث تسحب الهواء عبر الحي كله. سِر في هذه السكة بمحاذاة الأبواب الساجية المرصّعة والجهنمية المتدلية من فوق الجدران، ودَع الممر يقرر وجهتك؛ فالضياع اللطيف في أزقة الفهيدي هو الغاية بعينها.

السكة التراثية: فن المشي في مدينة صُممت للظل
أفضل ما يمكن أن تفعله في حي الفهيدي هو أبسطه: أن تدخل سكة من سكيكه الضيقة وتمشي بلا خريطة. «السكة» في العامية الخليجية هي الممر الضيق بين البيوت، وهذه الممرات المتعرجة ليست صدفة عمرانية بل تصميم مقصود بذكاء مدهش. فقد ضُغطت المسافات بين الجدران العالية حتى لا تدخل الشمس إلا لماماً، فتبقى الأرض ظليلة معظم النهار، وتتحول الأزقة إلى قنوات تسحب نسيم البحر القادم من الخور إلى عمق الحي. جرّب بنفسك: ادخل من الشارع المشمس إلى سكة ضيقة ولاحظ كيف تنخفض الحرارة فجأة، وكأن أحدهم فتح باباً خفياً نحو الهواء البارد. بنى هذا الحي في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين تجارٌ قادمون من بلدة بستك الفارسية استقروا في دبي بتشجيع من إعفاءاتها الجمركية، فحمل الحي اسمهم «البستكية» قبل أن يُعرف رسمياً باسم حي الفهيدي التاريخي. واليوم يضم نحو خمسين مبنى مرمماً تعمل بيوتها القديمة متاحفَ ومقاهيَ وصالات فنية. امشِ ببطء، ومرر يدك على خشونة الجدران الجصية، وارفع رأسك حيث تظهر البراجيل بين خطي السطوح. وحين تسمع أذان المغرب يتردد بين الجدران، ستدرك لماذا يقول أهل دبي إن روح مدينتهم كلها ما زالت تسكن هذه الأزقة الضيقة. ولا تنسَ أن ترفع بصرك مرة أخيرة قبل الخروج؛ فخط السماء المحصور بين الجدارين هو أقدم لوحات هذا الحي وأجملها على الإطلاق.